عمر فروخ
374
تاريخ الأدب العربي
ولقد كان الوالي بطبيعة الحال يحتاج إلى خطبة طويلة تستوعب هذا القدر الوافي من أوامر الدولة . وبرز في الخطبة الأموية عنصر التهديد والوعيد ، ذلك لأن الولاة الأمويين كانوا يخطبون ، في أول الأمر على الأقلّ ، في بيئات معادية للدولة الأموية . من أجل ذلك ظهر الحزم في مخاطبة الجمهور وكثر التهديد للذين تحدّثهم أنفسهم بالعصيان . وربّما تضمّنت الخطبة إشارات مسيئة إلى الأفراد والجماعات ممّا هو مألوف في المنافسات السياسية ، كما نرى في خطب زياد بن أبيه ثم في خطب الحجّاج على الأخصّ . وكانوا يحبون أن يستشهد الخطيب في خطبته بشيء من القرآن الكريم ، وبالحديث أيضا . ولقد ظل الاستشهاد في الخطب بالأمثال والشعر على ما كان عليه الأمر في صدر الاسلام وفي الجاهلية . من الخطابة إلى الكتابة لمّا اتّسعت الفتوح وتفرّق الولاة والعمّال « 1 » في الأقطار احتاجت الدولة إلى أن تبلّغ أولئك الولاة والعمّال وغيرهم من أصحاب المناصب في الأمصار المختلفة أمورا تتعلّق بالسياسة أو الإدارة فحدثت كتابة الرسائل . ولم يكن للرسائل - في هذا الدّور - خصائص أدبية تميّزها ، فلقد كانت الرسالة خطبة مدوّنة ، أو كانت كلاما عاديا قيّد بالحروف من غير تنميق ولا التزام أسلوب خاصّ . وكما كانت الخطابة من مستلزمات الإدارة ، فقد كان الترسّل أو الكتابة حاجة إدارية ، ولم تكن - في هذا العصر الذي نؤرّخه - فنّا مقصودا لذاته . والعرب عامة كانوا أقدر على الخطابة منهم على الكتابة . من أجل ذلك كانت الدولة تتخيّر كتّابا لها ، من العرب حينا ومن غير العرب أحيانا ، من ذوي العفّة والأمانة . وقد كان الخليفة يملي على هؤلاء الكتّاب ما يشاء أو يطلب
--> ( 1 ) الوالي هو الحاكم السياسي الإداري ؛ والعامل هو الموظف الذي يتولى جمع الضرائب والإدارة المالية .